محمد المحمدي الگيلاني

39

تكملة شوارق الألهام

يعذّب عباده على فعل ما لا يقدرون على تركه وعلى تركه ما لا يقدرون على فعله ، وقال قائلهم : ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له * إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء وهؤلاء هم الجبريّة ، مسألة الجبر عريقة في الأمم العائشة قبل الإسلام وإليه يشير قوله سبحانه : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ . « 1 » والضّرورة - كما قال المصنّف رحمه اللّه - قاضية باستناد أفعالنا إلينا ؛ فإنّ كلّ أحد يجد من نفسه التفرقة بين حركتي المختار والمرتعش ، والصّاعد باختياره إلى المنارة والساقط منها ، ويعلم أنّ الأوّل منهما مستند إلى قدرته واختياره في الإيجاد بخلاف الأخير منهما ؛ فإنّه لا يستند إلى قدرته واختياره في الإيجاد . وتمسّك الأشاعرة لإثبات مقصدهم بشبهات أشار المصنّف إليها وإلى الجواب عنها . منها : أنّ العبد لو كان موجدا لفعله بقدرته واختياره ، لتمكّن من فعله وتركه ؛ إذ القادر ما يصحّ منه الفعل والترك ، فخروج الفعل عن حدّ الاستواء يتوقّف على مرجّح به يجب صدور الفعل ويمتنع التخلّف ، فيكون ذلك الفعل اضطراريّا لا اختياريّا ، فصدور الفعل على صبغة الوجوب هو الاضطرار . فأجاب عنه المصنّف بقوله : « والوجوب للدّاعي لا ينافي القدرة كالواجب » . يعني : استواء الفعل والترك بالنسبة إلى القادر قبل تحقّق الدّاعي وتعلّق الإرادة الجازمة بأحدهما ، وأمّا بعده فيجب الطّرف الذي تعلّق به الإرادة الجازمة وهذا الوجوب لا ينافي الاختيار ، كما أنّ صدور الفعل من الواجب تعالى واجب بالقدرة والاختيار . ومنها : أنّ العبد لو كان موجدا لأفعاله ، لكان عالما بتفاصيلها - ولهذا صحّ الاستدلال بفاعليّة العالم على عالمية الفاعل - ولكن التّالي باطل ؛ فإنّ الماشي يقطع مسافة معيّنة من غير شعور له بتفاصيل الأجزاء التي بين المبدأ والمنتهى ، والمتكلّم يأتي بحروف مخصوصة على نظم مخصوص من غير شعور له بالمخارج ولا بالهيئات والأوضاع عند الإتيان بتلك الحروف ، والكاتب يصوّر الحروف والكلمات بتحريك الأنامل من غير شعور له بالأنامل

--> ( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 148 .